يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

571

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

واحد ، غلظ كل واحدة من الأربع ثلاثون شبرا . كل سارية على قاعدة مربعة الأسفل مدوّرة الأعلى ، على شكل السارية ، وكلها من لون واحد مثل لون السواري ، ليست شديدة الحمرة بل تضرب إلى الصفرة قليلا ، على رأس كل سارية رأس أصفر مدوّر على غلظ السارية ، إلا أن أعلاه أوسع شيئا من أسفله ، وهذا المسجد في البراح ، ليس عليه سقف ولا كان عليه قط ، واللّه أعلم . إلا أن قبلته سقف فيه بلاط واحد فيما أظن بسواري دون تلك المذكورة ، مثل سواري بلادنا أو أغلظ ، وصنع له محراب يصلي فيه من مشى إليه ، لأنه في فضاء ليس حوله عمران الآن . والعجب العجاب أن أمام الصف الشرقي منه داخل المسجد سارية عظيمة ، بينها وبين الصف مقدار عشرين ذراعا ، على قاعدة من حجر واحد مربعة من اللون المذكور ، ارتفاع القاعدة في الهواء ستة عشر شبرا ، وفي كل وجه منها عشرون شبرا . ثم جعلت عليها قاعدة أخرى مثلها في الصفة والسعة واللون ، نصفها مربع مثل التي تحتها ، ونصفها مدوّر على شكل السارية التي عليها ، ارتفاع هذه القاعدة الأخرى في الهواء ثمانية أشبار ، قد أحكم إلصاقها بالرصاص ، وأتقن خرط المدوّر منها ، ونحت المربع غاية الإتقان ثم السارية العظيمة فوق ذلك كله ، غلظها ثمانية وثلاثون شبرا ، لا يدرى قدر ارتفاعها ، إلا أن الصبيان يأتون إليها ويرمونها بالحجارة ، أيّهم يوصل حجره أعلاها ، وما رأيت من بلغه . وعليها رأس من حجر يضرب إلى الصفرة ، واسع الأعلى ، قد صار عليها كالطبق ، وأتقن نحته وتخريمه وله شعب تنظر إلى الأرض شبه الأكلب ، في نهاية من التخريم والإتقان ، وهو حجر صلد ، لكنه محكم الصنعة . والسارية في غاية الاعتدال والصفاء ، ولا أدري ما معنى تلك السارية وحدها في ذلك الموضع ، ليست في الوسط ، ولا ثم أمارة لموضع أخرى ، ولا من حيث جلبت ، ولا كيف أقيمت . وما حول الإسكندرية جبل يقرب منها ، يقال إن الجن صنعت ذلك لسليمان عليه السلام ، أو لعل ذلك من عهد عوج وأصحابه ، وهو حجر يبقى بقاء الأبد ، واللّه أعلم . قال يوسف : ذكرت حديث هذه السارية بمالقة حرسها اللّه تعالى في عام اثنين وستمائة بعد رؤيتي إياها بنحو من أربعين سنة ، فذكر لي رجل من أصحابي من الحجاج من أفاضل الناس قال : حدثني كذلك رجل صالح ثقة أن أحد الرماة بالإسكندرية جنى جناية ، فعمد إلى تلك السارية ، فرمى أعلاها بسهم قد ربط في فوقه خيطا حلوا قويا ، فجاوز سهمه السارية ، والخيط على رأسها ، وطرفه في الأرض ، حيث وقع السهم . والطرف الآخر من الجهة الأخرى من حيث رمى ، ثم ربط في هذا الطرف خيطا آخر أقوى منه ، وربط في طرفه شريطا ، وفي طرف الشريط حبلا قويا ، ثم جبذ